لا تظلموه

تُحسب كل خطواته السريعة , وتتفرس الأعين في ملامحه السمراء البسيطة رغم التوتر الساكن كيانه .اعتاد الدخول بصمت متخذا أول كرسي مقعدا يرمي عليه ثقله بسرعة تزيح الكرسي من مكانه.لا قلم يسكن جيبه الأبيض ولا دفتر يسكب عليه مدادا قد يبوح ذات مسـاء بحقيقة شخصه الغامض.

كان بسيطا في صغره يُمارس كل طقوس الطفولة, يلطخ يديه بالطين متخيلا كعكة يهديها لأخته ذات الضفيرتين والأعوام الثلاثة.كان بعيدا عن الكرة وعنف يستوطن ساحة ملعب مغطى برمل جاف يثور كلما زادت سرعة الركض أو سقط أحدهم عليها.ظل يُتابعهم بعينه الضيقة والهدوء يسكن روحه لم يحاول يوما عدِّ الخطوات التي يحتاجها ليصل إليهم علّه يشاركهم لعبة عشقها الكثيرون قبلهم.لطالما اكتفى بالجلوس بجانب أخته يقاسمها إحساسا بأمان ينعدم وجوده في المنزل . قبل الغروب بدقائق يدفن يده الملطخة بالطين في يدها الصغيرة والأصابع متعانقة كل الخطوات عندها تمسي ثقيلة والشعور بالألم في الأعماق يكبر ويتضخم حتى المقلتين بالدمع تتبلل لمجرد تذكر ملامح الأب القاسي.لم يحاول يوما انتظار فرح يزور كل البيوت إلا بيتهم ويلاعب كل الصغار سواه وأخته ,عند العاشرة من كل مساء كان يعود أباهم مترنحا سكرانا منتشيا فيملأ الدار بضحك هستيري لا مبرر له وصراخ ينتزع النوم من جفن الصغيرة فتبدأ في البكاء يحاول وليد إسكاتها خوفا من غضب الأب وعصا خلدت أثارها على جسده حتى بات يخجل من إظهاره أمام صغار الحي. يُسرع أبوه إلى الغرفة الضيقة كقفص يبحث عن الصغيرة ليذيقها الوجع ينحني وليد عليها يحاول تغطيتها بجسده الضئيل كي لا تُصيبها العصا يبتلع الضرب بصمت ودمعه يختلط بعبرات أخته وصراخها .يهدأ الأب بسرعة كسرعة ثورانه بعدما أصاب يده الخدر ,غادر الغرفة مخلفا أحزانا متراكمة وآهات تُبكي وسادته . يبتسم وليد في وجه أخته ,يمرر راحته على شعرها يدفنها في حضنه ويسدل جفنه حابسا عبرات متمردة وحنين جارف يدفعه إلى قاع حزن قديم فيتذكر أمه ورحيلها المفاجئ ,دارهم المزدحم بالنسـاء والنحيب يعلو ثم يعلو ,صراخ وآهات تشق صدر جدته التي دفنته في حضنها حينما سألها عن أمه التي لم تعد منذ أن غادرت إلى المستشفى تشكو وجعا استوطنها منذ دفعها أبوه فسقطت مغشي عليها.كبر وليد والحزن في أعماقه يكبر لا يزوره النوم إلا بعد تحديق صامت في سقف يغطيه وقلبه عارٍ. تزوجت أخته وكان هو من النازحين إلى العاصمة بعد حصوله على نسبة أذهلت كل من حوله فغادر ودعوات جدته لأمه تحيط به.

دخل الجامعة ,اختار كلية وجد فيها بعضا منه . كان حريصا على إثبات وجوده وثقافة غاص فيها عندما أحاطت به الهموم. احترمه الأساتذة لإجاباته المتميزة وخلقه الجمّ إلا أن من حوله أكلوه بنظراتهم وتعليقاتهم الحنظلية مرة عن "دشداشته" المصفرّة , وتارة عن انغلاقه على نفسه ,وأخرى قلقه الدائم , وخوفه من النبرة العالية وأشياء أخرى غريبة في نظرهم . تجاهلهم عاما .. عامين ثم قرر اعتزالهم والانفراد بنفسه وكتب اختارها ليُشبع الحاجة إلى الأصحاب . لم يحاولوا التقرب منه ومنحه أمانا يدفعه لإزالة الحواجز شيئا فشيئا ,ولم يعطوه فرصة ليخبرهم عن نفسه .. عن وليد وروحه المشتاقة إلى هدوء نفسي وقلب يحتضنه كوطن . ما زال وليد يسير بيننا في أروقة الجامعة  متنهدا .. متحطما .. متشبثا بحلم مهترئ يكاد يفقده لولا تشجيع أساتذة كرام آمنوا بقدراته .. وصدقوا حدسهم حينما قال : " إن وليد شخصية نادرة ,, فلا تظلموه كما ظلمته الدنيا ".

 

 

 

 

بـ قلم .. أنين الورد

 

 

 

 

 

 

* قصتي الأولى .. نُشرت في ملحق " أنوار " القادم مع جريدة الوطن العمانية.

 

 

Advertisements

14 thoughts on “لا تظلموه

  1. ابدعتي حقا ياانين 00
    رائعه القصه بروعتك 00 بانتظار المزيد
    لك مني كل الحب و التقدير
    سأترك لك ايميلي هنا وكلي امل ورجاء ان تضيفيني عندك ولي الشرف بصداقتك فعلا
    sorry_solly@hotmail.com

  2. رااائعة يا أنين
    أرى بين أحرفك روائية ماهرة
    :
    أعجبتني واقعية القصة
    وحبككِ المميز
    🙂
     
    دمتِ بتميز
     

  3.  
    ,,
     
    جذبني أسلوبكـ
    عفواً
    بل جذبتني معانيك
     
    لالا
    بل جذبني تخلل المعاني الى الكلمات
     
    اممممم
    لالا
     
    جذبني الوصف
    فلقد اخذني الى عالم الخيال
     
    اتعلمين اخيتي
     
    لقد حارت بي الافكار
    فعجزت ان اقرر ماذا جذبني بكتابتكـ
    حقاً انها رائعهـ
     
    ..
     
    بإنتظار
    جديدكـ *
    زيارتكـ *

  4. أنثى عظيمة
    مرور متميز
    كـ تميز شخصك
    فـ أهلا بكِ أبدا
    في صفحتي
     
    .
    .
     
    دفء البيلسـان
    يا عفويّة
    شكرا لـ زياراتك الدائمة
    يا صديقة
     
    لـ قلبكِ سلام ـي
     
     
    .
    .
     
    On3 So0ouL
    شكرا لكِ على الزيارة
    أتعلمين
    سبيسكما متميز .. ورائع 🙂
    أحببته كثيرا
     
     
    دام الودُّ بين قلبيكما

  5. أحيانا نجد من بعد هذه المعاناه ابداعا يخرج من رحم افكارنا ينير العالم كله والكثير ممن تركوا
    بصماتهم في الدنيا عانوا في دنياهم ان لم يكونوا كلهم وهكذا وليد كما قالوا عنه الاساتذه انه شخصيه نادره
    قصه حزينه ومؤلمه ولكنها تغسل احزاننا
    شكرا على هذا السرد الجميل  

  6. مضطهد
    سو ….. سو
    زهرة الناردين
     
     
    شكرا لـ مروركم الياسميني
    وحضوركم المتميز
     
     
     
    وفقكم ربي أبدا

  7. مضطهد
    سو ….. سو
    زهرة الناردين
     
     
    شكرا لـ مروركم الياسميني
    وحضوركم المتميز
     
     
     
    وفقكم ربي أبدا

  8. مضطهد
    سو ….. سو
    زهرة الناردين
     
     
    شكرا لـ مروركم الياسميني
    وحضوركم المتميز
     
     
     
    وفقكم ربي أبدا

  9. مرحباً
     
    كيف حالك ،،
    ..  الصراحه لكٍ  قلم مميز  ولمسه رائعه
     
    وتعبير شيق 
     
    .
     
    بالتوفيق

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s