قلب مسقط

  

 
.
.
  
 

لا أدري أي صدفة ساقتني إلى سوق مطرح ..

تلك الممرات الضيقة والأرض الـ مخلصة وبريق الذهب الـ أصفر يجذبني

– أنا التي لا ترتدي الذهب لسنوات دون إحساس بـ النقص ..

الأساور الهندية الملونة تناديني وأكاد أمتزج بـ الألوان متناسية قول أبي كلما مدّ يده ببعض ريالات " لا تشتريها " ..

زوجة خالي تسير ،وكأنها مغمضة العينين ..

تحفظ تلك الـ أزقة عن ظهر قلب فـ أسير خلف ـها مندهشة من كل شيء ..

رائحة اللبان وهو يذوب على الجمر المشتعل فيحلق الدخان العطِّر بـ حرية ساحرة  ..

أصوات الهنود منادين بـ الدخول إلى المحلات الصغيرة الملون ـة ..

التجاعيد التي منحها الزمن فؤوس ـاً تقتلع بها الشباب فتخلف ظهرا منحنيا ..،وعين ـا تتأمل الشباب بحسرة/أمنية ..

أحدق في الوجوه حولي

..،وأقسم داخلي أن هذه الأرض التي كبرت فيها ..

الأرض التي احتضنت سنواتي الأولى ..

وتحملت سقوطي المتكرر عند كل محاولة مشي ..

هي الأرض التي نطقت فيها حرفي الأول ..

البقعة التي كبر فيها أبي ،وشهدت مراهقة أمي .. هي الوطن الذي أريد ..

منذ غادرت جدتي لأمي ..

تبعها خالي ..

ثم جدي لأبي تلك الأحياء القديمة الدافئة في قلب مسقط العشق

.. ،ومطرح/الكورنيش/مسقط أمسوا بعيدين كل البعد عنا ..

أذكر زياراتنا الخميسية القديمة ..

 الكورنيش الذي كان يكبر ونحن نكبر فترسم على حدوده الـ لوحات

وربما تزرع شجرة

،وفخار ينبع ـه منه ماء ترابي

،وحيوان جبلي على سفح جبل يجاور بحرا صاحبه جدي بعد كل صلاة فجر ..

جدي الذي كان يسير على الكورنيش ممارسا رياضة المشي

ونحن في سيارة أبي ننطلق من بيت ـنا في القرم إلى قلب مسقط

للوصول إلى مدرسة شمساء الخليلي ..

صباحاتي كانت مختلفة ..

عشرة أعوام ،ونحن نتفاخر كوننا من ذاك القلب ..

" فلك السلامة" ..

قلعة الجلالي ..

قلعة الميراني ..

بوابة مسقط ..

حديقة ريام ..

الطويان ..

الجفينة ..

حارة الزدجال ..

مدرسة الزهراء ..

تكية ..

حلاق خالي ..

مطعم البادية ..

بوابة قصر العلم ..

منتزه كلبوه..

 كل ـها أشياء ارتبطت بـ طفولة ..

فقدناها ،ونحن نخلف كل شيء خلف ـنا منتقلين إلى بيوت أكبر .. ومدن تجارية ..

أتذكر الزميل تركي وسط السوق المزدحم

 وحولي الممرات تناديني

..،فأبحث عن تلك المرأة التي قال عنها :" عن الأم العمانية التي تنام في دكان في سوق مطرح " .

وفي داخلي رجاء أن تجمعني الصدفة بها

فـ أسألها بعض الصبر الذي تخبئه في روحها .. ذاك الصبر الذي أحتاج ـه الـ آن أكثر مما مضى ..

أشتهي الركض في تلك الممرات التي تطول تطول ..

فـ أشعر أني في متاهة بلا نهاية ..

أكاد أضحك فرحـا/جنونا/سعادة/دهشة

..،وأمد صوتي لزوجة الخال أمامي أني أريد زيارة السوق مرة أخرى فـ تضحك ابنة الخال علي ..

شعرت بـ أني صغيرة جدا

كأنني أتعلم الكلام الـ آن ..

 لم أندهش منذ زمن طويل ،واليوم ارتسمت على وجهي ملامح الدهشة ..

ودون شعور ابتسم في وجه المار أمامي ..

أصوات الباعة تتعلق بـ أكتافي 

فـ أسحبها من الحناجر الصامدة

..؛لـ أخبئها في ذاكرتي ..

عطور بخور قماش ساعات .. تسحبني واو البخور ..

أدير رأسي متأملة تلك الأوعية البلاستيكية المغلقة بإحكام حتى لا تتسرب رائحة العطر

،ومع ذلك تعطر المكان برائحة قديمة تفتح في ـني باب ـاً إلى بيت جدتي القديم ..

الدولاب الخشبي وسجاد أحمر  ..

ركضنا حول الشجرة المزروعة في وسط البيت ..

البئر القديم ..

المخزن الخارجي ..

الباب الأزرق الكبير ..

 ذاك البيت الذي أصبح متحف ـاً .. زرته مرة علِّي أجد ملامح البيت الكبير/القديم ،ولم أجد شيئاً ..

أتمنى فجأة لو كان بإمكاني البقاء في السوق حتى الفجر
؛لـ أسمع الحكايات القديمة من الأبواب التي تغلق ..
فـ أرسمها على الأرضية الاسمنتية بـ قطعة طبشور بيضاء ..
يقفز كل المارين عندها ..ضاحكين
فتمتلأ الممرات بـ الضحك وأصوات القهقهة العفوية ..
 
 
 

Advertisements

15 thoughts on “قلب مسقط

  1. سارة، أنتِ تحنين للماضي ..وتعللينه برغبتك في المجئ للسوق مرة أخرى ..!!كما يفعل الأطفال حين يريدون شيئاً ،وهم يعلمون أنه غير مسموح به ، فيفتعلون من براءتهم ما يجعله مسموح ..!!لبراءتكِ ابتسامه

  2. ياه يامطرححديثك هنا ياسارة يمد رئتي بعطر سوق مطرح وألوان الكورنيشومن لا يحن لمطرح ..!أحب التجول فيها وابتياع الحلويات المكتنزة برائحة الماضيالريام وكلبوه تحملان الكثير من ذكرى الطفولة

  3. مَطْرَحْ .. أَجِدُهَا الْمَنْطِقَةَ الْوَحِيدَةَ فِي مَسْقَطْ التِي لَمْ تَبْلِغْهَا أَيْدِي التَّطَوُرْ .مُجَرَدْ التَّأَمُل بِــمَطْرَح وَ أَسْوَاقِهَا هُو أَمْرُ كَفِيل لِبَعْثْ الدِّعَةِ وَ السُّرُور .نَهْرَوَانْ كَانَتْ هُنا

  4. أعشق فيها مصابيح الحاراتورطوبة الصوتِ فيها والحزن المُكبل بالأعمدة الليلية يٌناهز سرّنا ويبوحُ ببسمة عطرة..شكراً سارهحدّ البحرِ الملتوي في شارع الكورنيشيدور ولا ينتهي

  5. ..أفراحتعالي نزورها معانلون مقلنا بـ جمال ـهاندمتأني ذهبت بلا كاميراسلامييا رفيقة

  6. شعرت بأننا نملك جنة لم ندركها ..!اعجبني وصفك الدقيق للجمال هناكلقلبك وردة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s