الجنوبي

.

.

أشهر عديدة مرت منذ قرأت كتابا .. تتوقف أمام حروف ـه كل الـ أشياء

حتى الـ أصوات حول ـي تخرس فجأة ،وكأن ـني أتوحد بـ الأسطر المتوجع ـة

عبلة الرويني لم تمسك قلم ـا ،وورقة وبدأت تسرد حياة شاعرها ،وحبيبها ،وزوجها ،وصديقها بـ طريقة جافة .. بل كانت تبكي فـ نشيج ـها وآهات ـها المغروسة في الحروف .. يعلو صوت ـها في بعض السطور

يمكن ـني القول الـ آن .. أن هذا الكتاب يفتح بابا إلى عالم أمل دنقل .. إلى ( مقهى ريش ) ،و ( دار الأدباء ) حيث كانت تبحث عن ـه عبلة لإجراء حوار صحفي رغم تحذير أحد العاملين في الجريدة أن لقاءها معه قد لا يُنشر ،ومع هذا أصرّت دون أن تعلم أن حياتها سـ تتغير بوجوده ..

تصفه في صفحتها الخامسة على نحو .. يرسم ملامح وجه ـه أمام ـي ،ويتضح عمق عين ـيه الحزينتين وأرى على جبينه قول ـها :” صامت إلى حد الشرود يفكر مرتين وثلاثا في ردود أفعاله ،وأفعال الآخرين ،حزين حزنا لا ينتهي  …  صخري ، شديد الصلابة  ،لا يخشى شيئا ولا يعرف الخوف أبدا .. لكن من السهل إيلام قلبه .

كان يحب ـها ،ويمكن القول أن ـه أحبها منذ الـ لحظة التي قال بدون مقدمات في لقائهما الرابع :” يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة ” في وقت كانت تؤمن فيه أنه مختلف عن الآخرين منذ اليوم الأول.

أمل الذي يكتب لـ ها بعد ليلة غضبت في ـها منه ،وهو على سرير أبيض يصارع أوراما تتوسع بلا رحمة ..

لا تنتظري أن يبتسم العابس

فالفارس ليس الفارس

مدي بإنائك

عبر السلك الشائك

واسقيه من مائك

مدي طرف روائحك

حتى يصنع منه للقلب ضمادا

ويسد شقوق البرد القارس …

وصفت عبلة علاقة أمل دنقل بالقاص يحيى الطاهر الصديق الأقرب لـ قلبه في أسطر قليلة كانت كافية بـ النسبة لي لأدرك حجم المساحات التي يحتلها كلا من ـهما في قلب الـ آخر .

فـ تقول :

زار يحيى أمل في مستشفى العجوزة ،عند اجراء الجراحة الأولى (1979) ،وسألني في عصبية :

لماذا ينبغي أن يموت أمل ، بينما يظل ” أولاد الكلاب ” أحياء .. وبكى ،ولم يأت مرة ثانية .

مات يحي في العام التالي ،ورفض أمل الاشتراك في كل مراسم غيابه ،لم يسأل عن الأسباب ، لم يتكلم في تفصيلات الموت ، لم يثرثر ( بشكل عاطفي ) حول يحيى كما نفعل جميعا ..

( إن يحيى خاص بي وحدي ) قالها وبكى ..

كانت هي المرة الأولى التي أرى فيها دموع أمل .

تكتب عبلة عن زواجهما الذي رفضه أمل دنقل في بداية الأمر كونه فقيرا لم يملك في حياته منزلا أو محفظة مليئة بالنقود ..،ورغم ذلك لم تشعر بالفقر معه إلا حين احتاجا المال لإدخال  ـه المشفى عند اصابته بالسرطان .

” المرض هو الحالة الوحيدة في هذه  الأرض التي تحول الفقير إلى بائس حين يواجه قدره عاجزا  . “

النهاية التي تصوب نحو الروح وجع ـا يصعب احتمال ـه .. فـ تقول عبلة في صفحتها الـ أخيرة :

“السبت 21 مايو

كان وجهه هادئاً ،وهم يغلقون عينيه

وكان هدوئي مستحيلا ،وأنا أفتح عيني

وحده السرطان كان يصرخ

ووحده الموت كان يبكي قسوته “

كتاب يستحق أن يُقرأ ..

صادق .. رائع .. غرقت بعده في كآبة

أمل دنقل .. رجل لا يتكرر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s