هناك منعطف جديد

.

.

إن ـها الثالثة صباحا ،وعقلي ما زال يعمل بطريقة غير مفهومة ،ونومي مبعثر أشعث ،وكلما حاولت تنظيمه يتبعثر مرة أخرى وتكبر في رأسي الأفكار فـ أضعه بين كفيّ وأضغط عليه بقوة حتى تتكسر كل الأفكار/الأحلام وأغفو قليلا عله يرتاح ويعمل بالشكل المطلوب منه صباحا إلا أنه يستمر كما عرفته. بعد أيام قليلة سـ أحضر المحاضرة الأولى في مرحلة الماجستير المنعطف الجديد الذي سـ أمر عليه في حياتي المستمرة بـ التقدم في طريق أعجز عن رؤية ملامحه .. منذ سجلت المواد الأربعة وأنا أفكر في كيف تقدمت بطلب الدراسة وكيف أديت جيدا في الاختبار والمقابلة ثم عقبة مستوى اللغة الانجليزية ،وكل ما حولي يُشير أن هذا أمر سماوي كتبه الله – عز شأنه – هذه الـ سارة يا أصدقاء كائن يشعر بالملل بسرعة ،ولم يكن موضوع إكمال الدراسة في رأسها أبدا ،وأذكر أنه كلما أشار أهلي إليه كنت أرفض ،وأكرر أنه من المستحيل أن أكمل الدراسة بعد مرحلة البكالريوس ،ولكن مثل ما قيل ” تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ” وها هي الجامعة تلوح لي مرة أخرى فأدخلها وأنهي كل الاجراءات المطلوبة ثم أعود للمنزل أنفرد بـ نفسي وأفكر ترى ما الذي أفعله الـ آن ،وقبل تسليم المبلغ المالي المطلوب أتأمله وأتسـاءل هل يا ترى سـ أبذل الجهد اللازم  ..؟ .. المدة الطويلة التي انقضت دفعتني للتفكير في كل ذاك الحماس الذي يخبو فيني وفي كثير من الزملاء كلما مر شهر دون عمل .. في الأفكار الكثيرة التي كان من الممكن أن تقدم شيئا جديدا لمجتمع تعب من كل شيء .. في الأحلام المؤجلة والأمنيات المعلقة .. ترى لو عرف أكثرنا أن لا وظائف تنتظرنا ولا ميادين تحتضن اندفاعنا ماذا كان حدث .. البقاء في المنزل دون شيء لمدة طويلة تتجاوز العام وأنت تنتظر .. يخلق في الروح القلق ،ويصيرك انسانا غير صبور .. تغضب من أتفه الأشياء .. وتدخل في فترات كآبة لا يمكن تفسيرها .. وتبدأ تتسـاءل لما أنا هنا ..،ويلاحقك الآخرون بـ سؤالهم :” ألم تعمل حتى الآن ؟ ” وكأنك المسؤول عن الأمر ،وهم لا يعرفون أنك تطرق كل باب تمر أمامه .. فيصبح الأمر مرهقا / محبطا فتبتعد شيئا فـ شيئا ،وتخلق لنفسك عالما تتخيل فيه نفسك عاملا نشيطا يقدم ما لا يتكرر .. إلا أنك حين تضع رأسك على الوسادة ليلا تدرك أنك منسي في عالم لا تُذكر فيه إلا إذا ساندتك و ،وربما بعض الحظ .. لذلك يا صاحبي انسى شهادتك النائمة في الدرج السفلي ،وانسى نظرات من حولك حين يشعرونك بـ النقص ،وأنك مهمل لأنك لم تحصل على عمل ،وأن كل أحلامك تتمحور حول مكتب بارد في وزارة حكومية ،وتجاهل كل المخططات التي يرسمونها لك ،وابتسم لأنهم لن يفهموك .. صدقني لن يفهموك  .. أول ما سألني أخي حين عاد من كوبا : ” لماذا لم تعملي حتى الآن ” ضحكت ولا أدري لما ضحكت حينها ،وأعتقد أنه حسبني جننت أو شيء ما أصاب عقلي المشكوك فيه لأنه نظر لأختي ثم صمت .. كان يجب أن أقول : ” وما أدراني أنا يا إبراهيم ” مع ذلك أشعر الآن أن الضحك إجابة مناسبة لسؤال كذاك .. أتأمل الحياة حولي ،وأتأملني .. المجتمع الذي فتح عينيه فجأة واستيقظ صارخا بـ غضب .. مطالبا بأبسط حقوق أبنائه .. بـ حق الحياة الكريمة وأمور أخرى تناسيناها كثيرا ،وتجاوزناها إلا أننا  الآن غير قادرون على الإدعاء بأن كل شيء بخير ،وأننا نعيش كما نريد وكما يجب .. يكفي أن تقف في محل تجاري كبير لـ تدرك حجم الانكسـار في نفوس البعض .. حين تمر أمام البضائع وترى امرأة كبيرة السن تتأمل السلعة ،وفي عينيها حاجة لكن ما في الجيب لا يكفي .. حين تقف أمام مدرسة صغارك ،وتجد رجلا من وطنك يفتش في القمامة .. وآخر يؤجل تحقيق كل أمنيات صغاره لأن ما يصله آخر الشهر لا يكفي لسد فواتيره .. ترى كيف نقول أننا بخير ،وفي الوطن جرح نازف ،ورجل يفكر كل نهاية شهر وهو يستلم راتبه في كيفية العيش في منتصف الشهر .. كيف نكون بخير ،ورجل أكبر من أبي ينحني لاقتلاع حشائش من شجرة لا تعرف أن في منزله أرواح تنتظر لقمة .. وامرأة كـ جدتي تنظف ممرات الجامعة .. كيف نكون بخير ؟  .. أعترف أني أتجنب الخروج من المنزل كي لا أرى الوضع الذي وصلنا إليه ،ولا أرى الحاجة في أعين البعض .. نعم أهرب من واقع يلاحقني ،وأتجاهله ؛لأني عاجزة عن فعل شيء .. عاجزة عن قول توقفوا لـ من نسوا أن الظلم ظلمات يوم القيامة .. عاجزة عن نسيان الرجل الواقف في ظهر رمضان تحت الشمس ينتظر رحمة أحدهم ليركب سيارة تقيه لسعات الشمس .. يومها تمنيت لو أنني شابا يمكنه فتح باب سيارته دون تفكير ،ودعوة الرجل المتعب للمقعد الفارغ .. الرجل الذي أعجز عن نسيان تفاصيل وجهه ،ويده المثقلة بـ الأكياس .. ترى ألم يره غيري أم أن القلب فيهم توقف عن الاحساس .. مخيف أن ترى مجتمعك هكذا ..،ومخيف أكثر أن يشعر كل من حولك أنه مطالب بفعل الخير لأهله فقط .. متى يرى الناس بعضهم بعين انسانية .. لو عاملنا بعض على هذا النحو ،وما اعتمد أحدنا على الآخر لما وصلنا إلى هذا الوضع المأساوي جدا .. نحن لسنا بخير يا وطني ،وفينا وجع يكبر .. يبدو أن الموسيقى المحلقة حولي تؤثر فيني ،وسكون الغرفة يغريني للكتابة أكثر ،ويبدو أني كتبت أكثر مما يجب ..ن

بعد أسبوع وربما أكثر سيغادر اسماعيل الصغير .. أخي الذي كبر دون أن نشعر إلى أمريكا للدراسة .. اسماعيل الذي يقرأني دائما .. شريك السهرات الليلية وجرائم مثلجات باسكن روبنز ومزودي بـ الكوكاكولا .. إسماعيل الذي أوصلته صباح الأمس إلى السفارة الأمريكية لـ ينهي اجراءات سفره نحو عالم جديد بعيدا عن مسقط المختلفة عما كانت .. فـ ادعوا له بـ التوفيق ..،وازرعوا في أدعيتكم الصاعدة نحو الرب رجاء أن يشفي صديقي/خالي/أحب خلق الله إلى قلبي شفاء لا سقم بعده ،وأن يشفي مرضى المسلمين والمسلمات ..              ،ولكم الود


Advertisements

3 thoughts on “هناك منعطف جديد

  1. ساره
    كلما صادفك منعطف جديد .. اتخذيه ، لعلك تصادفين بعضا منك !
    هكذا نحن موزعون على اشياء كثيره
    ونضيع كثيرا حتى تتشتت أرواحنا
    من يعلم ربما منعطف الماجستير فاتحة خير جديدة
    عيشيها بكل تفاصيليها

    لك كل الود

  2. مساء الخير
    الله يشفي خالك وان شاء الله طهور
    وان يكون هذا المرض عافيته من الله ولا مرض بعده

    وأتمنى لأخيك التوفيق في مشوارة الجديد

    أما أنتي سارة
    دائما اقول الدراسة هو المشوار الذي لا يحب ان نرفضة
    ف كل مرحلة لها تفاصيلها وما عليها من صفحآت مليئة بنا
    يجب ان تخوضي تجربة جديدة وتنشيط العقل ليتأقلم مع الدراسة من جديد
    لأنك قضيتي سنة كاملة والله لم يكتب لك ف عمل ربما هو من شاء ان تكملي الماجستير
    كنت اتمنى لو انك قضيتي السنة ف انشطة وجدول انتي من وضعة لنفسك
    ولكن هنا أنتي ستبدايين من جديد ان شاء الله

    والله يسعدك ويسهل مشوارك

  3. مساء الود يا سارة …

    قبل كل شيء أتمنى لخالك الشفاء العاجل …
    ولأخيك التوفيق الدائم …

    وأنت يا سارة ستظلين زهرة لا تذبل ابدا …
    وعطائك سيظل منبعثا
    وتأملي جيدا فالسنوات تمضي سريعا
    والنهاية تثمر كثيرا

    وفقك الله يا سارة
    ودمتي أملا

Comments are closed.