إلى قلب ـها – 2

* إلى قلب ـها – 1

إنه ذاك النوع من الوجع الذي يقضم روحك حين تواجهه .. ذاك الذي له مرارة الفقد، وطول ليالي الحنين .. نعم إنه ذاك الوجع يا قلب .. الذي يرفض تجاوزك، والانتقال لمحطة أخرى عله لا يحدث في ـها ذات الضرر، ولا يخلف ذكرى كالتي خلفها لك، ولي.

ما كنت أتوقع إعادة الكتابة عن موضوع قديم كـ هذا .. تعلق بك، ولاحقني رغم كل ما قمنا به معا .. أتذكر وقفنا تحت حرارة شمس مسقط يوما، وليلة أمام نافذة غرفتي والهواء البارد يصفعني قافلا الباب خلفي بقوة تُغضب أمي .. أتذكر أني تركت رأسي تحت ماء بارد يجمد كل أفكاري المخيفة، ويوقف صراخها .. وترك يدي تحت صنبور ماء يتنفس بخارا، ولا فائدة.. كل محاولات النسيان وتشتيت انتباهك تختم بـ فشل لا يمكنني فهمه .. وأعرف أنك عاجز عن فهمه كذلك .. وكلما انفردنا مسـاء تناقشنا بحدة، يعلو صوتنا معها حتى أني أخاف من نفسي فأدير هذا الرأس الذي أحمله متأملة المرايا خلفي بحثا عن عقل صاحبني طويلا، ولم يسقطني في حفرة مثلك.

يا قلب متى تكبر، وتنسى أن كل ما حدث ما هو إلا تجربة، وذكرى يمكننا الاستفادة منها في فصول حياتي القادمة؟ قد نكتب معا رواية فاشلة تمهد لنا الطريق لدخول عالم الكُتَّاب الذين أحلم بهم .. لا تضحك فأنا الآن أحدثك بعقلي، ولا أستمع لك .. أنت المجنون منذ أعوام سبعة ما عدت تفيدني في شيء .. واعذرني على قول ذلك لكنها الحقيقة التي ترفض تصديقها، وأصرُّ عليها.

نحن مختلفان بشكل حاد .. متضادان كالشمال والجنوب كالليل والنهار كالأسود والأبيض كـ كل الأشياء المتناقضة .. ويجب أن تعلم أني أردد ” سبحان الله ” كلما فكرت في حالنا الغريب .. فكيف يجتمع قلب مثلك بامرأة مثلي .. أنا المنطقية أكثر مما يجب/ الواقعية/التي تحبط كل محاولات التخيل، وأنت الراكض وراء سراب .. الغارق في الـ أحلام. في الوقت الذي تبكي في ـه أنت .. أكون غارقة في كتب دراسية صلبة .. وحين أحزن أنا تكون أنت في أوج حماسك، ورغبتك في العطاء، والخروج.

كيف اجتمعنا .. هل أنت قلبي حقا ؟ أم أنك لـ فتاة أخرى أوصت من حولها بأن يتبرعوا بأعضائها ؟ .. هل تصدق حين أقول أني أفكر جديا في موضوع التبرع بأعضائي .. سارة التي تُخيفها فكرة التبرع بالدم تفكر في التبرع بالأعضاء .. ألا تبدو الفكرة جيدة؟ انظر بدأت أفكر في أشياء مفيدة .. أخبرتك أن عقلي مفيد رغم أن الكثيرين يقولون أني في عزلتي أقتله بمشاهدة أفلام حزينة أضحك حين أراها، وبقراءة روايات لا فائدة منها كما يرون .. رغم شعوري بأن الأفلام والروايات تذاكر سفر، ورحلات طويلة جدا .. وابتعاد عن واقع روتيني يقتل فيني الطموح. استخدمت كثيرا كلمة ” أفكر” في الفقرة أعلاه .. ركز ركز فلا يمكننا الخروج بنص سيء بعد كل هذا الوقت للناس .. أتذكر دكتوري الجامعي وهو يرسم دوائر حمراء حول كلماتي المكررة في بحوثي لذلك انتبه وأخبر عقلي بأن ينتبه للأمر في الأشهر الدراسية القادمة.

أبدو مبعثرة الآن، وأفكاري لا علاقة بينها مع هذا سأكتب، وأتحدث معك بصوت عالٍّ؛ لأننا لم نتحدث منذ وقت طويل، وبكل صراحة أحتاج لتوضيح بعض الأمور قبل أن أغرق في متطلبات الدراسة مرة أخرى. قلبي العزيز يجب ألا تكون أنانيا، وتوافق على الخروج لزيارة الأهل حين تقترح أمي ذلك، صدقني هذه العزلة رغم تقدسينا لها إلا أنها لن تفيدنا كثيرا مستقبلا .. فكما يتضح نحن متخلفين في كثير من الأحداث حولنا .. هناك في الخارج يا صديق ناس تسافر، وأخرى تعود ،ونحن بذات الغرفة نتابع فيلما، وأحيانا نسقط في نوبة ضحك وسط العائلة حيث تتأملي أختي الزهراء، وأعتقد أنها تشعر بأني مجنونة؛ لأنها تقترب مني بصمت وتتأمل صفحات الكتاب بين يدي .. لذلك ينبغي ألا نقرأ وسط الناس؛ لأننا نغوص أكثر مما يجب .. وننفعل دون تفكير في الآخرين ..

أشعر بأنك تجمدت بعض الشيء، فما عدت تهتم بـ عتاب الآخرين، وأسئلتهم مثلما كنت، وهو أمر جيد وسيء في ذات الوقت، ولكنه يناسبني لذلك شكرا. هناك أيضا الهاتف يجب أن نعتاد عليه معا، وأن تذكرني إذا نسيته صامتا تحت وسادتي أو بجانب التلفاز لأن هناك ناس تنتظر ردا على مكالماتها، ورسائلها، وصورتنا تبدو سيئة حين لا نرد لذلك تعاون معي، ودعنا ندخل الهاتف المحمول إلى مجموعتنا الصغيرة. لا يمكننا البقاء بمفردنا دائما لابد من الاعتياد على مقابلة الناس، والتحدث بالهاتف كامرأة طبيعية تحادث صديقاتها، وتشاركهن التفاصيل. لا يمكنني تذكر آخر مكالمة قمت بالرد عليها غير مكالمة أختي الضرورية، وأعتقد أن والديّ بدا يشكان في قواي العقلية.

نعود يا عزيزي لموضوعنا الأول .. أنت لم تلتزم بجرعات النسيان لذلك تبدو متعبا اليوم .. ولم تتجاوز ما حدث بسبب استهتارك بقدر الدمار فيك .. وجهك يبدو كوجه فتاة لم تنل عددا جيدا من التصويت فأخرجت من المسابقة .. هل رأيت ماذا كتبت الآن؟ عقلي متأثر بالتلفاز الذي لا نشاهده أكثر من ساعتين في اليوم .. هذه مصيبة أخرى لن نتحدث عنها الآن.

أنت مرهق، وأعتقد أنك تحتاج لفترة نقاهة، وهو ما ستحصل عليه منذ الأسبوع القادم حين أرهق عقلي وأسحقه بمتطلبات الجامعة فأنساك مؤقتا. أوصيك يا عزيزي بالابتعاد عن الظلام والنوم في غرفة مضاءة بضوء أبيض قوي حتى تتذكر دائما أنك في عالم واقعي بوسط مسقط المزدحمة جدا، وتجاهل كل رغبة في الاستماع إلى تلك الألحان الطويلة التي تشعل فيك الحنين الذي ينتصر على كبرياءك، ومن ثم تعيد شريط الحزن المستهلك فتبكي، وتشعر بأن كل فيلم نراه يتحدث عن شعورك، وكأنك أخبرت العاملين فيه بمشاعرك فصنعوا منها نصا، وأهدوك الفيلم .. أرجوك اكبر فـ سارة التي تحملك بداخلها ستكمل بعد أشهر ربع قرن على هذه الأرض، وليس من المقبول أن يكون قلبها هكذا.

إنها مجرد ذكرى .. هذا كل ما لدي يا صديق .. وابتسم

سـارة


Advertisements

One thought on “إلى قلب ـها – 2

Comments are closed.