*هناك مسافة أمان لابد منها بينك وبين نفسك

Image

منذ أيام بدأ فصل جديد في حياتي البطيئة بعض الشيء، ومنذ أسابيع أفكر في الكتابة .. علّ البحر الهائج فيني يخمد، ويعود الهدوء إلى رأسي الذي توقف عن الحلم، وملاحقة الخيال، وأصبح كآلة تبدأ العمل كل يوم في الوقت ذاته، وتنتهي عند ساعة محددة ..  أنسى سـارة التي كنتها في الطريق المزدحم، وأتبع خط السيارات المصطفّة على نحو يثير قلقي، وضوء المكابح يذكرني بواقع أني بدأت العمل، وواجبة علي القيادة، ومواجهة مسقط التي تحاول الابتسام في وجوه المتعبين صباحا رغم شمسها، وشوارعها، وجنون سيارات الأجرة، وحافلات الطلاب القديمة .. أعود للمنزل منهكة، أفكر في بحثي، وتأجيلي كل ما يتعلق به في وقت حرج لا يعترف بمزاجيتي، وقصر النهار، وكسل الشتاء، وصداع يتعلق برأسي كصغيرة أختي نور حين تقرر أنك ضحيتها اليوم .. أقضي ساعة في صالة المنزل أتابع التلفاز بعباءتي، وحقيبة يدي كأني أخشى أن يفوتني أمر ما رغم معرفتي أن لا شيء مهم في العالم .. نوم متقطع، ومحاولة تبادل الحديث مع أخواتي قبل دخول غرفتي الخاوية، والغرق في رواية أجنبية لا أعلم لما أقرأها رغم معرفتي نهايتها، وما يحدث فيها.

تعلمت مؤخرا كيف أهدأ، وأركز في سارة الداخلية .. وأسألني كثيرا متى أصبحت هذه المرأة التي تنغمس في مادية مقرفة .. الأمر الذي يجبرني على الوقوف أمام المرآة ليلا، ومحاولة قراءة عينيّ ربما أفهم الذي يحدث بداخلي .. أشعر بانفصالي عني أحيانا .. وبعد منتصف الليل أمسي اثنتين، وأقضي الساعات الطوال مجبرة إياي على تجاهل تلك المجنونة التي تسكن رأسي .. هل شعرت يوما بأنك زورق يُبعده حراك الماء عن المرفأ ؟ تلك أنا، وإن أنكرت ذلك .. وحتى بعدما أتعوذ من الشيطان والوساس ثلاثا سأقول تلك أنا .. وأدعيّ أمام الأهل أني تجاوزت غباء المراهقة وسوداوية الأفكار، وكبرت امرأة طبيعية تبتسم في وجه الصباح، وتنظم وقتها، وتقرأ الصحف الجامدة، ولا تبوح بما تسمعه في رأسها ليلا .. في هذه المرحلة من حياتي حيث تبدو الأشياء متداخلة على نحو لا يمكنني تبسيطه ..  رسالتي ما زالت مدفونة في الحاسوب.. وأعرف جيدا أن أسبوع واحد .. معتكفة في غرفتي، وقليل من التركيز سأنهي ذاك البحث، وأسلمه قبل أن يبدأ مشرفي التفكير في اختفائي عن سطح الأرض .. حتى دعائي في الآونة الأخيرة تغير ما عدت أطلب من الله الكثير رغم إيماني التام، والكامل أن خزائن الأرض والسماء بيده وحده سبحانه .. كل ما أفعله، وآذان المغرب يصعد نحو السماء إلحاح بأن يحميني الله من خيبة أخرى، وفشل تخبئه الأيام القادمة .. كبرت، وما عدت قادرة على تقبل الخسارة بابتسامة، ولا أنجح في تهدئة نفسي حين أردد ستكون الأمور أفضل في المرات القادمة .. نسيت كيف أزرع عيني في الأرض حين أتحدث مع الناس.. فأحدق في أعينهم أثناء مبادلتهم الكلمات حتى أرى ما أود رؤيته، وأقرأ حكاياتهم .. قرأت ذات يوم عبارة ” العيون بيوت .. والبيوت الأسرار ” أتفق مع ذلك كليا، يكفي أن تحدق في عين أحدهم دقائق حتى ترى حزنه/فرحه، وبعض ما يخفيه .. لذلك أتخلف عن اللقاءت حين تشدني سلبيتي إلى واديها الأجدب .. حتى أعود سارة المبتسمة تلك التي تدرك أن لـ”صباح الخير” طعم سكري حين تكون سعيدة ..

تمر الأعوام، غيرتني، وأبقت بعضي فما زلت تلك التي لم يدهشها صوت فيروز، وأحزنها صوت عبدالرحمن محمد .. التي تفكر بمعرض الكتاب قبل أشهر من افتتاحه، والسعيدة جدا لأنها أصبحت موظفة، وبذلك ستدخل المعرض بجنون طفل في محل حلويات .. التي تسهر الليل بحثا عن وصفة جديدة سيتردد الجميع قبل أكلها .. المرأة التي تشتم نفسها كلما رأت إنسانا يفتش القمامة، وأم تفقد صغيرها .. هي التي تسعدها الموسيقى المسافرة إلى روحها، وترجو أن لا يكون ما تفعله معصية .. سارة التي فقدت صديقها، وما زالت تبكيه بحرقة، وهي تتأمل كل الأفراح الشاحبة بعده .. خالها الذي سيكمل عامه الثاني في بطن الأرض بعد أيام، ومع هذا تتأمل أن يرن هاتفها يوما فيطفئ صوته شوقها .. إنها التي تكتب عن قلبها، وتعاتبه، وتغضب منه، وترميه بالشتائم .. التي لم تفهم يوما حب المطر .. وتشتاق البحر .. وتقرأ الروايات .. ولا يهمها رأي بشر .. ويرهقها التفكير في كمّ الشتائم المقذوفة في مواقع التواصل الاجتماعي .. في عنصرية بعض البشر .. في الإنسان الطيب المنسيّ .. التي تتمنى توزيع سنوات عمرها .. وتمسح الحزن عن قلوب الجدات .. 

.

.

يقول إبراهيم نصر الله:

“ كلما أصبحتَ جزءاً من فكرتكَ،

قالوا إنك موشك على الجنون،

أمّا حين تصبحها فإنكَ الجنون نفسه!

كأن هناك مسافة أمان لابدَّ منها بينك وبين نفسك! ” 

Advertisements

5 thoughts on “*هناك مسافة أمان لابد منها بينك وبين نفسك

  1. يخبرني البعض بأنني أستطيع تطويع الكلمات لتعبر عمّا في داخلي
    لقد خدعتهم كلماتي , و الدليل … أنني أقف أمام تدويناتك
    اقرأهن من البداية للنهاية , و عدّة مرات .. و مع ذلك لا تسعفني اللغة بكلمة تعبر عما تُحدثه كلماتك داخلي …
    ليت هذا يشفع لي في كل مرة اقرأ و لا أعلّق
    سامحيني آنستي …

  2. سارة
    أقرأكِ في كلّ مرة تكتبين تدوينة جديد / وأسافر إليكِ مهما كان الزمان أو المكان الذي تصلني فيه تنبيهات مدونتك بأن ثمة تدوينة جديدة !
    في ممر الجامعة أو في المحاضرة أو حتى في غرفتي مساءاَ .. أقرؤكِ بشغف وابتسامة هادئة وليتني أستطيع أن أقول لكِ كما تفعل صديقة مقرّبة أنا هُنا بجانبك ، سأقول لكِ أنا هُنا دائماً أقرؤك /اكتبي .

  3. سارة..
    كم أحب سردك للتفاصيل، لغتك، كلماتك ، وصدقك
    صدقيني الحياة جميلة بقدر ما نرغب أن تحمل منه.
    اكتبي..اقرأي..وارقصي
    هنالك دوماً وأبداً ما يستحق أن نفرح ونعيش لأجله.
    انتظر تدوينتك القادمة بشغف وياحبذا لو تضعين الرابط بعد كل جديد على تويتر أو فيس بوك ، لأن هنالك دوماً من يهتم بقرائتك.
    ود لا ينضب ^_^
    رحمة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s