غصن أمان

690aa8dd0b33cfa2cd9da1bc85e1acda

 

أكتب لك للمرة الثالثة رغم يقيني بأنك لن تقرأ، وأعترف بأني أرتعش الآن كورقة خريفية متشبثة بالغصن الضعيف .. مرهقة يا صديقي ومُتعبة كسائر يعبر أرضا قاحلة .. مكسورة كمرآة تشظت بعد غضب مراهقة يهدئها تحطيم الأشياء .. وقلبي مثقوب كجدار بناية اغتصبتها الحرب .. أتساءل منذ ليالي عن أسباب شعوري بالغرق الذي يحولني إلى كائن هش يكاد يصرخ استسلاما وتعبا وشوقا ..

هل جربت الاستيقاظ صباحا دون احساس بالحياة وكأنك تسحب روحك ورائك وأنت تقطع صالة المنزل بخطواتك البطئية جدا راجياً أن يمر اليوم وينساك .. أن تفكر طوال الليل في طريقة للهرب من ذاتك التي ترحب بالناس وقصصهم واعترافاتهم في حين يتكور قلبك في صدرك كطفل صغير يخاف العتمة ويعجز عن نداء أمه .. أن تفقد الثقة بمن حولك، وتنسى ألوان الدنيا، وتبكي خذلانا، وتخشى طول العمر، ويهزمك الحنين، وتشتهي نوما طويلا يُزيح عنك التعب.

مُنهكة أنا يا صديقي وأدرك أن سقوطي هذه المرة قوي جدا ولا أدري كم سأحتاج لأعود إليّ .. أفتقدني، وأفتقد أيامي الهادئة – بعيدة عن الجميع قريبة من سارة .. أُحيط نفسي بالكتب والأقلام الملونة وقليل من السفر وبضع نصوص تحكي ما أفشل في قوله.

تعال نسير معا على شاطئ البحر متجاهلين نظرات الاستفهام، وحرارة الجو، وتعب النهار. واحكي لي عن مدينتك البعيدة، وسفرك القريب، وقلقك. اغرس في قلبي غصن أمان ثم أعدني إلي وغادِر.

Advertisements

لأنك تُحبني …

3

ينبعث صوتُك من فؤادي، فاستشعر دفء قُربك … أنا المحاطة بالدّجَّة يتسرب النور من عيني/بسمتي/حمدي اللامتوقف حتى وعيني مبللة بالدمع .. كلِّي رضا يا الله رغم الـ” لماذا ” التي أكررها بحسرة حين تضيق مسقط على روحي، رغم وَجْد يمرُّ جارحا قلبي، ورغم كل الدعوات التي دسستها في سجداتي وما وصلني جوابك .. راضية يا الله وإن طال الطريق، واستعصى المسير، وأضناني الانتظار .. راضية لأني مؤمنة إيمانا لا يخالطه شك أنك فيني/حولي/بجانبي ، وأنك تعلم وهم لا يعلمون، وأنك تُحبني ~

أخبرني عنك …

.

.

a34dfa6db58433781e41ffb751a9db7f

.
.
تقف الساعة على مشارف الثانية، والموسيقى الهادئة تُحيط بقلبي .. يتصاعد صوت المغنية المبحوح ولا أفكر في شيء سواك .. ما الذي تفعله الآن؟ هل ترتسم ابتسامة على شفتيك؟ هل تدندن أغنية مجنونة تبادلناها ذات مساء؟ هل ترتدي اللون الذي أحبه عليك؟ هل تُحدثهم عن تفاصيل أيامك الماضية؟ هل أخطر على بالك كلما رأيت كتابا مفتوحا؟ هل توقفت فجأة عن الجري على الشاطئ فجرا حين تذكرتني؟ هل يذكرك كوب الشاي الساخن بي؟ هل تملأ الغرفة بضحكتك التي أحبها؟ هل أنت بخير؟
كم تُرهقني هذه الأسئلة البسيطة التي تمر على قلبي وتدهسه … وكل ما أرجوه أن تُطوى المسافة الممتدة بيننا ويسمح لي القدر برؤية وجهك لمرة واحدة فقط .. مرة واحدة أبيح فيها لعيني بمعانقة عينك، وأحفظ تفاصيل وجهك المُتعب .. مرة واحدة أتجرأ فيها وأختبئ بين ذراعيك من قلقي وخوفي غير المُفَسَّر وصخب الدنيا .. مرة واحدة تحضن فيها كفي كفك.. وأقولها بصوتي المرتعش ” افتقدتك ” ..

يا ابتهاج القلب ..
هل كُتب على روحي المُنهكَة أن تتشظى لفقدك ثلاثاً ؟

ألبوم الزفاف

.

.

8c77fd1da04346d48f2b2cdc2a498855

لا أذكر متى بدأ كل هذا، الأصوات التي تتكاثر في رأسي ليلا، وقلق يهجم عليّ بقبضته الحجرية فأتكور، وأرتجف ثم أبكي كطفلة. عندما صارحت صديقتي في لقائنا الأسبوعي بأفكاري القاتمة ضحكت بصخب دفع النادل إلى التوقف للحظات عن خدمة الطاولة المجاورة. فلم اسْتَطع الاعتراف أمامها بقصة انهياري أمام الزملاء في المكتب يوم الأربعاء الماضي، ولا بالأفكار الانتحارية التي تطرق أبوابي كل ظهيرة في طريق عودتي من العمل، ولا أن أحدثها عن ألبوم زفافي المخبأ. ابتلعت الكلمات وابتسمت ثم حشوت فمي بكرات البطاطا المالحة.
كنت في عامي الجامعي الأول حين تنبهت للخوف الذي يكبر كجنين بداخلي . أتذكر وقوفي أمام المصعد الفضي الكبير حتى يصل، وفور انفتاح أبوابه أسير مبتعدة ولا أدخل فيه رغم نظرات الزملاء المستفهمة.
وقرب المغرب تداهمني فكرة أن هناك من يلاحقني فأركض في ممرات الكلية الفارغة بهلع يزيد من سرعتي، وأواصل الهرب حتى أصل المواقف المفتوحة، فألهث دون أن أنتبه إلى الوجوه التي تتفحصني، وعامل النظافة الذي يحرك رأسه بيني وبين الاتجاه الذي جئت منه بحثا عن ما يتبعني.
لكني أذكر متى خفت صوت ذاك الخوف وضعف غيابه. كانت صدفة غريبة تلك التي جمعت بيننا. كتاب محجوز يطلبه تلميذان في ذات الوقت. فكلما راجعت أمين المكتبة كنتَ أنت هناك، وكلما جئتَ أنتَ للاستفسار كنتُ أنا هناك. حتى قادتنا اللقاءات المتكررة إلى حديث بسيط فطويل ثم عميق امتد حتى الليل. باركت العائلتان ارتباطنا، فأقمنا حفلا يُرضي الوالدتين ونساء العائلة في حين كان كل ما تمنيته حفلا بسيطا تأخذني بعده إلى شقتنا الدافئة، حيث نكمل أحادثينا العفوية، ونضحك دون استعاذة من حزن قادم.
أشد جفنيّ علي أستعيد وقت نبوت الصدوع في جِسرنا، وكيفية افتراقنا، ومتى اضمحلَّ الحب الذي كبر في قلبينا على مدى عام كامل تبادلنا المشاعر فيه خفية.

يهزمني الأرق للمرة التاسعة خلال أسبوعين، فأزيح الغطاء الثقيل بقدمي، وأتسلل من سريري بخطوات فاترة. أقف أمام المرآة متأملة وجهي. أمرر أصابعي ببطء على هالاتي المسودة، وأرسم ابتسامة زائفة على شفتي؛ لأعد التجاعيد المنحنية حول فمي واحد اثنان ثلاثة وأتوقف عن العد. ثم أبتسم بصدق حيث يتردد فجأة صوت العاملة النيبالية، وهي تقول بعفوية أذابت جليد قلبي: “ابتسامك جميلة جدا رغم حزن عينيك “، فتبرق عيناي سعادة لوهلة ثم يتلاشى كل شيء.
أحاول التنفس ببطء علّ أفكاري تهدأ، ويسكن قلقي ولكن لا فائدة. كل محاولاتي بائسة. أسير على حدود سجادة غرفتي سبع مرات، وأدندن لحنا حزينا يدفعني لبكاء يُخفف حِملَّ قلبي المثقل.
يتسلل التعب إلي فأسير نحو دولابي القديم، وأُخرج ألبوم زفافي المخبأ أسفل علب أحذية سهرات ما عدت أحضرها. طالبتني أمي مرارا بالتخلص منه، ولكني لم أقوَ على رميه رغم مرور ثلاثة أعوام على طلاقنا. أفتح غلافه الثقيل فأجدنا ثنائيا جميلا، تشع عيناه حياة وأملا. أقلب الصفحات، هنا وجهك الذي مررت أناملي عليه كثيرا حتى تغير ملمس الورق، وهناك أقف بجانبك مبتسمة كصغيرة ما ذاقت مرارة الأيام.
ترى كيف يحرمني جنين رفض أن يكبر في رحمي منك؟
ومن أعطى المحيطات حولك أحقية انتزاعي من حياتك بحجة عدم صلاحية جسدى لإنجاب صغار يحفظون اسم قبيلتك؟
وما ذنبي أنا حين يقف الطب حائرا أمام حكم الله؟
لا أدري كيف نمت دون إخفاء ألبوم زفافي، ثم استيقظت عجلى فلم أنتبه إليه مطروحا أسفل سريري. ولا أعرف حتى اللحظة لما قررت أمي تصويره وهو مرمي في صندوق قمامة الحيّ كلقيط تمحوه العائلة. فسحبت حقيبة يدي وغادرت مكتبي كمجنونة دون النظر خلفي إلى زميلتي القلقة وزملائي المتهامسين.
قدمي على دواسة الوقود، الإشارة حمراء وأنا عاجزة عن التوقف. تجيء السيارة البيضاء مسرعة من الجهة اليسرى، تصطدم بي بقوة تُخرجني من زجاج سيارتي الأمامي؛ لأسقط على الأسفلت وحول رأسي دم وقلق وذكريات وأفكار انتحارية كنت أجبن من تنفيذها.     ء

 

قِبْلة الوجدان

.

.

1

وجدت في عينيه وطناً .. بحثت عنه أعواما طويلة

    وفي صوته دفء .. أذاب صقيع أحزان مرت على قلبها

          وفي يده الواسعة كبحر .. خبأت يدها المرتعشة خوفا/قلقا/شوقا

.

.

هو حلم أبيض .. لا يقظة تُبشر بإمكانية تحققه

     ميناء قصِيّ .. لن تصله روحها المسافرة أبدا

                  انتظار بلا منتهى

.

.

 يستحيل أن يكون لـ قربه سواد ذنب

      والالتجاء إلى حضنه خطئية يحاسب عليها الرب

                   والغرق في مقلتيه إثم تُعاقب على ارتكابه

.

.

 في الليل ينهشها حنين جارف إلى تفاصيله الصغيرة

 ينتزعها من أمان كهفها، ويرميها في صحراء الفقد

            فتنكسر بكاء

 ويتقهقر صبرها

         وتخلف بوعد قطعته ذات ظهيرة دُهس فيها فؤادها

.

.

هو

قِبْلة الوجدان، وسكينته ~                          ء

 

1

.

.

32f41bec6c6eb9e3429fb2e900c9b78d.jpg

مرت ثلاثة أيام منذ هاجمني هذا الشعور السيء .. أعجز عن التنفس بعمق ولا أنام ليلاً .. الأمر بسيط جدا إنها إحدى النوبات التي لا استطيع تفسيرها .. أصحو فجرا قبل الخامسة .. أضع هاتفي بجانب مساحيق التجميل وأستمع لسورة البقرة علّ شياطيني تستكين فأخرج من غرفتي بخوف أقل وقلق أضعف ..

ماذا يُصيبني؟ وأي اللعنات أسقطت علي هذا الحزن الثقيل الجارف .. أشعر بأن ظهري منحنٍّ وأن خطواتي بطيئة وروحي منهكة .. أحاول أن أكون بخير وأجبر عقلي على التفكير في ذلك كيلا أعود لكهفي وأتكور حتى مرور العاصفة ..

كيف تتجاوزون الأيام السيئة والليالي الصعبة؟

كيف تنجحون في إخفاء البركان الثائر فيكم فلا يشعر بحرارته أحد؟

يتسلل البرد عبر أصابعي إلي، فأرتعش رغم صيف مسقط، وضجة الشارع، وكم الأوراق المحيطة بي ..

أحاول التفكير في أمر مفرح يُنسيني الرغبة بحمل حقيبتي ومغادرة هذا المكتب دون شرح أو تبرير .. أرسم ملامح مديرتي في ذهني وهي تراني أخرج دون استئذان .. كيف أقول لها بأن البحر فيني هائج هذا المسـاء وأني لا استطيع العمل وأشعر بالبرد والخوف والقلق وأني وأني دون أن تتخيل ولو للحظة بأني إنسانة غير طبيعية ..؟

ثلاثة أسابيع متبقية وأدخل عالم الثلاثين ومع هذا أقف ضعيفة أمام مخاوفي .. يقرضني السهر والقلق ..  أبتلع الطعام لأتخلص من الإحساس بالجوع وأوقف عقلي لدقائق بالرياضة .. أتعامل معي كطفل صغير لا أسمح له بالجلوس دون نشاط أو عمل يشغله كي لا يشاغب ويثور .. فيدمر ما أبنيه ..

أعلم أن هذا الشعور سيتلاشى قريبا ..

وسأصحو بعد يوم ..

 يومين ..

 وربما ثلاثة بقلب مقبل على الحياة..

ولكني الآن أرجو نوما طويلا ..

يحميني من نفسي

.

..

12330760023_9cd8ea23f8_b

 في داخلي بحر .. أسمع هدير موجه وأستطعم ملوحته على شفتي  .. فأغمض عيني وأنصت لصوته وأغرق في قاع الخيال، مبتعدة عن واقع وجودي في هذا المبنى القديم /جالسة على كرسي مكسور/يجتاحني الشوق .. أشد جفنيّ بقوة كي لا أعود إلى روي وصخب الزملاء وأصوات الشارع .. أتلهى بالأحلام الصغيرة كالأصداف حولي وأدَّعي بأني أجلس على شاطئ تسكنه نوارس فرحة وتداعب الريح أطراف ثوبي .. ” ما الذي أفعله هنا؟” يمزقني هذا السؤال/يتعبي .. كيف أسمح للأيام بالمرور هكذا دون أن أحقق أمنياتي وأرسم خطة سفر بعيد وأقرأ أكثر؟ .. يُقلقني إسرافي في التفكير بالاستقالة وفرص خلق الحياة التي أريد .. أي جنون هذا الذي يُمسك بعقلي فينسيني حاجتي للمال والروتين والعمل؟          ء