أنت بخير؟

tumblr_nm3ip8Dffg1ssite1o1_1280

ربما لا أحتاج مقدمة طويلة حين أكتب لك .. يكفي أن أقول اشتقت للكتابة إليك ثم أبدا الثرثرة .. كـ عادتي حين أكون متعبة وعندما يمر عليّ أسبوع ثقيل كـ هذا .. أشغلت حاسوبي لأكتب عن رحلتي لليابان .. تلك الرحلة التي قربتني من سـارة .. لكنك شغلت بالي، وإليك عدت لأكتب وأحكي وأقول ..1

في رأسي مئات الحكايات ومشاعري متقلبة على نحو مخيف .. قبل يومين كنت على وشك القفز فرحا واليوم أشعر بأني حزينة جدا دون سبب واضح .. أنت تعرف هذه الحالة جيدا وتدرك أني كائن بمزاج متقلب وقادر على البكاء والضحك بهستيرية في ساعة واحدة ..1

سأكون شفافة هذا المسـاء وأعترف بأني أفتقدك.. أفتقد عمق عينيك / ضحكتك / حضورك المتأخر، والأسئلة الغبية التي تطرحها حين أبدو متعبة ولا اشتهي الحديث .. أفتقد الصمت الذي يكبر بين ـنا كلما ضجت القاعة بأصوات الضحك ونحن في زاويتين متباعدتين نتأمل فرحا عفويا يكبر في قلوب ـهم .. أفتقد إطار نظارتك ونكتة بلا طعم تفوهت بها وأنا أقلب أوراق الخس المقطعة .. أفتقد صوتك حين تقول لكل فتاة تمر بجانبا ” أنتِ جميلة اليوم” لـ تبتسم فتبدو كـ وردة فأدعوها لمشاركتنا الحديث وسماع ألحان تلائم مزاجنا والغرق في نقاش ندرك بعد توقفه أننا تحمسنا أكثر مما يجب.. أفتقد قلقك حين يتأخر رد أمك فتغلق هاتفك وتعيد تشغيله مرات عدة علّ الرسالة العالقة في الفضاء تنزل بـسلام فـ تُطمئن قلبك .. بقدر ما يحزنني أننا لن نلتقِ بعد الآن، ولن تقودني ثمانيتك المحفوظة في هاتفي إليك إلا أني لست نادمة على معرفتك، وأدرك أن مرورك في طريقي لم يكن صدفة كما يقلن بل نعمة ساقها الله إلى قلبي فملأته فرحا، وأسعدتني ..1

اليوم .. فكرت في الصور المضحكة التي اعتدنا تبادلها كل صباح .. في الضحك العلني حين التقينا في المركز التجاري الممل، وماكينة القهوة التي شهدت لقاءنا الأول قبل امتداد الحديث بين ـنا وقبل أن أخبرك بـ اسمي الصغير والذي يرفض أن يكبر معي .. فكرت في الابتسـامة التي تخبئها في قلبي كلما جمعتنا الممرات صدفة .. في عينيك المرهقتين، وآثار السهر التي تخدش وجهك ..1

لا أعرف كيف حالك الآن .. وأينك .. لكني أدرك في قرارة نفسي أن اللقاء مستحيل، وكل شوارع مسقط لن تهبنا صدفة نلقي فيها السلام ونمضي ..1

الآن العاشرة مسـاء بتوقيت حاسوبي في غرفتي الدافئة أكتب لقلبك .. وأنت هناك تضع جسدك المتعب على الكرسي المهترىء كما عرفتك دائما .. تنشغل بتأمل السماء محاولا عدم التفكير في القمر، وقسوة والدك، والسفر القريب ..  ترى كيف تمر هذه الليلة عليك؟ هل تفكر في المستقبل كثيرا مثلي؟ أم أنك منشغل بـ حياتك التي شكَّلها أهلك؟ هل تتجاهل مثلي حقيقة أن بعد ساعات سنستيقظ، ونخرج من منازلنا، ونتوجه إلى وظائف لا تشبهنا وندَّعي أن ـنا بخير وقلوبنا بخير متجاهلين صوت الطفل الذي يسكننا .. ؟

مرت ساعة كاملة منذ بدأت كتابة رسالتي .. دخان المبخرة يتصاعد من الطابق السفلي .. انسحب أهلي إلى غرفهم وأنا  محاطة بالصمت، وعلى أذني سماعتان يدخلاني العراق الجريح عبر موال عراقي يطرق قلبي فـ يوجعه، وحين يقول محمد عبدالجبار ” من حرب لحرب كل يوم طوفان .. صار النفط دم والنهر عطشان ” يخترق حزنه صدري ..1

يا صديق إن كنت تتسـاءل عن أخباري .. فإني أقضي الكثير من الوقت بغرفتي أقرأ روايات يؤكد الداخلون أنها بلا فائدة .. الاستيقاظ صباحا للعمل أكبر تحدٍّ يواجهني مؤخرا فقد تعبت من مكتبي وعملي الروتيني .. نبتت أول شعرة بيضـاء في رأسي قبل شهرين .. رغبتي في السفر قلت بشكل يُثير قلقي .. أفكر في إرسال هدايا ورسائل عبر البريد التقليدي إلى أشخاص قضيت أياما رائعة معهم .. أعرف الطريق الذي لا أريد أن تسيرعليه حياتي في الأعوام المقبلة .. ما زلت أندهش من كل زميلة/قريبة يصلني خبر حملها وأتعجب من شجاعتهن ورغبتهن في إحضار حيوات أخرى إلى هذا العالم البائس/المخيف .. اليوم قالت لي أمي:” أنتي لو تفكري مثل الناس بتصيري زينة وحياتك أحسن” ولا أدري حتى اللحظة عن ماذا تتحدث ..1

أعيد قراءة رسالتي مرات عدة قبل إرسالها .. وأدرك أن حرفي مبعثر واعترافاتي متأخرة لكني يا صديق أخاف النوم الليلة وتخنقني مشـاعري .. وأخشى اكتمال سفرك فلا أهتدي إلى عنوانك الجديد ..1

   أنت بخير ؟ 

…………………………………………

خوفي صديق العمر إن طال السفر
خوفي إذا جاء المساء
وما أتيت مع القمر
وغاب عن وجهى القمر
خوفي إذا عاد الخريف وما رجعت مع المطر
خوفي إذا ما الشوق عربد داخلي
وبرغم إخفائي ظهر
خوفي إذا ما رحت أبحث عنك ولهى
ذات يوم يا صديق
*ولم أجد لك من أثر
Advertisements

أخاف أن أنسـاني*

tumblr_ng66jeU5sV1rcf4rko1_500

لا فكرة في رأسي حول ما سـ أكتب عنه أو لماذا فتحت حاسوبي .. كل ما أعرفه أن مئات الكلمات تنتظر الخروج .. هنا أنا في مدونتي أكتب دون معرفة نهاية النص أو مصيره .. استمع لـ موسيقى هادئة جدا أشعر بأنها تنساب على روحي .. تدفئها .. وتهمس لي ” كل شيء سيكون بخير ” فـ يتراجع قلقي، وأهدأ .. قلت ( نعم ) كثيرا في الأشهر الماضية والآن أتحمل نتائج قراراتي المتسرعة وأدرك أني بعيدة جدا عن منطقة راحتي وسـارة الانتقائية .. سـ ينتهي العام قريبا، ونبدأ صفحة جديدة إذا شاء رب العباد وأشعر بالأسف لأني سأحتاج الربع الأول من العام الجديد لإصلاح كل ما أثرت فيه (نعم) سلباً، واستعادة قدرتي على قول (لا ) في مواضعها كي لا أحمّل ذاتي الكثير .. راضية عن ما حققته هذا العام رغم الأهداف التي ما زالت حبيسة عقلي وقصاصات الورق ولن تصبح واقعا ً.. وأسفة جدا لأني لم أنجح في تحسين علاقتي بالناس حولي،  وفتح أبواب الحديث أمامهم .. وأحسب أن صديقتي شعرت بلا جدوى انتظاري فـ مضت .. أتابع صفحتها الانستجرامية وابتسم كلما حكت صورها عن سعادة تلون أيامها وبرفقة صديقات قادرات على الخروج من المنزل لاحتسـاء فنجان قهوة والسير دون هدف في شوارع مسقط المزدحمة .. سعيدة لأنها أدركت أخيرا أن قلبي المعطوب غير قادر على الثقة بأحد .. تلك الثقة التي تمنحني حرية الحديث والثرثرة والشكوى والبكاء والاعتراف ثم التظاهر بأن روح من يحاورني بئر منسية ..

فقدت شهية القراءة في الأسبوعين الماضيين وما زلت حتى اللحظة عاجزة عن قراءة كتاب أو الهرب عبر رواية إلى عالم آخر يُنسيني روتين أيامي، وتعب العصر، والساعات التي تطرق فيها الوحدة روحي .. في حقيبتي رواية ” مطر حزيران” تصاحبني كل صباح إلى العمل رغم أني لم أفتحها حتى اللحظة وعلى الطاولة الجانبية تلك الرخامية التي تتحملني منذ أعوام مذكرات ” فرح بهلوي ” التي قرأت جزء بسيطا منها ثم ركنتها .. أريد النوم والاستيقاظ صباحا لأجد أن كل شيء قد عاد إلى مكانه السابق .. نعم إني أهرب من الحياة، وأعطيها ظهري آملة أن تحل كل عقدها من تلقاء نفسها..ن

أتعرف ما المخيف في هذه الحياة ؟ عدم قدرتي على حماية نفسي من نفسي .. وأني مجبرة على سماع كل الأفكار المجنونة التي تتفوه بها .. أذكرني دائما بأني كبرت وآن أوان ترويض ذاتي وطمس مزاجيتها وإجبارها على مخالطة البشر إلا أني أفشل .. أفشل ببساطة في فتح حديث بسيط مع زميلتي في المكتب المجاور .. أنسى كيف أسلم على زميلي صباحا بوجه مبتسم .. ولا أدرك إلا متأخرة كيف أرفع يدي بلطف رداً على التحية السريعة .. ولا أقف أمام من أعرف وجوههم حين ألتقيهم صدفة لأقول:” إنها أنا .. سارة التي تثرثر كثيرا خلف الشاشة ” فأدّعي عدم معرفتهم ثم أندم لأني فوتُّ على نفسي فرصة الاقتراب من أشخاص طيبين .. في ختام يوم مدهش قضيته برفقة نسـاء عفويات ضحكنا وتبادلنا الآراءحول قضايا مختلفة وتحدثنا كثيرا لم أتذكر أن أعطي المرأة التي بسطت سجادة الصلاة لي، وشاركتني الغداء رقم هاتفي لنلتقي مجددا .ن

إنها الواحدة صباحاً .. أجلس في غرفتي الباردة جدا وأنصت للمقطع الموسيقي ذاته منذ ساعتين .. أرجو أن يتأجل اجتماع الغد، وأن تمر إجازة نهاية الأسبوع بـ سرعة فلا أشعر بها، ينتظرني يوم طويل غدا وأيامي مزدحمة بالكثير مؤخرا، وقلبي بخير .. نعم بخير ..بعد ساعات سيصل الفجر، وأجبر نفسي على الاستيقاظ ولمس الماء البارد .. ثم أخرج من المنزل الدافئ إلى مكتبي الجاف، وواجبات تقوم بها امرأة لا تشبه سارة التي حلمتْ بـ مستقبل مختلف .. سـ أدَّعي بأني بخير وسعيدة ومهتمة بالمواضيع الفارغة التي أتعجب من قدرة البعض على مناقشتها .. هذا المسـاء يمر ببطء مُتعِب .. وأنا هنا أتجاهل هذا العالم، وإلتزاماتي، وغرفتي الممتلئة بالأكياس الفارغة، والكتب المغبرة .. ن

…………………………….

4

البيت هو أشبه بغرفة إصغاء إلى الداخل*

tumblr_ndzs2vZvYu1qc4l4yo1_500

.

.

إنها العاشرة مسـاء في مسقط .. أجلس أرضاً بجانب طاولة رخامية هي جزء من تاريخ العائلة / أثاث قديم ينتقل من منزل لآخر .. هذه الطاولة التي تكبرني بعامين تتحمل كتبي الكثيرة / شمعة مهجورة/ كريم مرطب تذكرني رائحته بالليل والأمسيات التي أدخل فيها غرفتي مُتعَبة فـ أخرج العطر من دولابي الأبيض .. أرشه حولي ثم أجلس مستندة إلى حائط غرفتي الأبيض وأحمد الله كثيرا لأن لا صغار يملأون غرفتي ضجيجا، ولا حزن يشد أطراف روحي، ولأن السماء تعطيني بقدر ما تأخذ مني ..

هنا أنا .. في قلب مسقط التي تنتظر المطر، ويقطع المسرعون شوارعها .. أفكر في حياتي .. أنصت لعزف نصير شمه، وأتجاهل خيبة أمل تسكنني منذ النهار لأني اضطررت للتضحية بزيارة معرض كتاب الشارقة من أجل لقاء آخر .. أفتح صفحة طيران العربية وأبحث عن أسعار التذاكر، ووقت مناسب للذهاب والعودة في اليوم ذاته رغم إدراكي أن ذلك لن يتحقق .. حزينة الآن كـ طفل لم تصله هدية ميلاده، وعلى وشك البكاء لسبب تافه كخروج الصحن ساخنا من المايكرويف، ولأن الحليب الذي أسكبه على قهوتي منتهِ الصلاحية، ولأني أتجاهل جدول التمارين الرياضية …

هنا أنا .. أفكر في كيفية إغلاق الأبواب التي فتحت فجأة أمامي رغم إدراكي العميق بأن دخولي إياها سيغير حياتي كلياً .. استحضر حديث الزميلة التي تهمس لي وتسألني عن ما فعلته ليكون اسمي معروفاً في فترة زمنية لم تتجاوز العام، فأضحك؛ لأنها تتأمل وجهي مستفهمة حين أخبرها بإني أعمل فقط. لم استطع إخبارها أن حضوري المبكر صباحا للعمل هو هرب من اضطراري لمشاطرة المصعد الضيق مع أحد، فأجبر على مبادلته التحية والحديث، وبأني المرأة التي تدخل رأسها في الرسائل والأوراق المتراكمة كي تتعلم كل شيء في وقت قصير، ولا تسمح للفراغ الممتد في مكتبها الجامد بأن يملأه العابرون بالحديث .. وأني أنزل الدرج ستة طوابق حين أقرر الخروج باكراً كي لا أصادف أحداً .. ومع هذا أسمع اسمي حين يحدثني أحدهم في اللحظة التي لا أذكر فيها من هذا الذي يقف أمامي .. فاشلة في فتح الأحاديث، واكتفي بالرد على الأسئلة بإجابات مختصرة، وأنكسف خجلاً كلما سُئلت ” تعرفيني؟” .. فأرد بـ ابتسامة بلهاء

هنا أنا .. أراجع أسماء الكتب التي أنهيتها منذ بداية العام، وأخرى سأعرضها للبيع قريباً، وتلك التي لم أكملها .. وأتذكر أني متأخرة بثلاثة عشر كتاباً عن خطتي لهذا العام، أبحث كل يوم عن وقت هادىء أقرأ فيه، وأنسحب من حياتي الروتينية مؤخرا .. فأدخل عوالم بعيدة وأعيش حيوات مختلفة .. ما زلت أبحر في الروايات، وأرتبط بشخوصها وأفكر فيهم لأيام .. كل كاتب يستطيع إدخالي قصته هو ناجح من وجهة نظري حتى وإن كانت فكرة كتابه سطحية وسيئة .. أقرأ منذ أيام رواية ” دفتر مايا ” لـ إيزابيل الليندي .. هذه الروائية ساحرة تنجح دائما في أسْرِي بين سطورها .. وأنوي بعدها قراءة رواية لـ ربيع جابر الذي أفتقد شخصيات يرسمها ببراعة ..

هنا أنا .. لا شيء جديد في أيامي .. بين العمل والمنزل أمرر وقتي .. أسرق بضع ساعات أحيانا لدخول السينما التي ما عادت مدهشة مثل السابق .. ألتهم الذرة المغلفة بالكراميل وأبحث عن فيلم مضحك يلون يومي .. ابتعدت عن أشياء كثيرة كنت أحبها لأسباب غير مهمة .. أفكر في شراء عود والتخطيط جديا للعودة إلى الدراسة بعد عام عامين لا أدري .. أسمح لكاميرا هاتفي بتسجيل بعض اللحظات وأضعها على صفحة الانستجرام .. سأحضر حفل تخرجي بشهادة الماجستير بعد أسابيع وكنت أفكر في إقامة حفل صغير ثم أزلت الفكرة من رأسي سأكتفي بشراء هدية لنفسي وطلب إجازة ليوم واحد من العمل.. ما زلت ذاك الكائن الذي يدمن البقاء في البيت .. يقول محمود درويش:” البيت يعني لي الجلوس مع النفس، ومع الكتب، ومع الموسيقى، ومع الورق الأبيض. البيت هو أشبه بغرفة إصغاء إلى الداخل، ومحاولة لتوظيف الوقت في شكل أفضل “،، هنا أنا في غرفتي منذ ساعات أبحث عن لحن يُشبهني ..

___________________________

 

.

،

،،

 لم تكن مجرد إلتفاتة عفوية

وصدفة

جمعت قلبين يرتعشان شوقا 

كانت هدية الله .. واستجابة لـ صلواتها

بعد الغياب ..

واللا تلاقي

يجمع ـهما رصيف معشب ..

وظل شجرة تنشغل بأكثر المتعبين لـ تهبه غطاء

وهما عند أطراف البقعة الظليلة

يغرقان في سواد العينين

ويقرآن ما لا يمكن التفوه به

يقتلان بـ الصمت كل فرص وصمهما بالخطئية

تحبه .. 

ولا تبوح لأنها الأنثى والحب يخدش الشرف كما علموها

يحبها ..

ولا يعترف لأنه يخشى رفض العائلة

ينتظران ” كن ” تنزل من سمـاء الله

تجمع ـهما ..

تروي عطش ـهما ..

تُنسيهما بؤس الأرض ..

تؤكد حقهما في تبادل الابتسامة علناً ..

تسمح لـ يده باحتضان يدها المرتجفة خجلا ..

هما .. ينتظران

..  يتعبان

يفكر في سفر .. يُدخل اللقاء  في قائمة الـ مستحيل

تفكر في التظاهر بالنفور منه؛ لـ يبتعد ..

.. وينتظران

،

،،

،،،

” Waiting is painful. Forgetting is painful. But not knowing which to do is the worst kind of suffering. “

Paulo Coelho

والحديث المؤجّل

.

tumblr_n72oyhlTIW1rnsl1fo1_500

.
مرّ عام منذ كتبت إليك عن سـارة الهائمة  .. أفكر فيك منذ أمد طويل وفي الكتابة عن شعور امتدّ بيننا .. بـ الأمس ورأسي على الوسادة البيضاء في غرفة باردة لا يتحرك فيها شيء سوى ظل الشمعة أحسست بأنك قريب .. قريب جدا، وأني إذا مددت يدي في فراغ الغرفة المظلم لشعرت بأصابعك تحيط بأصابعي .. هذا القرب لم يكن مخيفاً، ومقلقا كعادتي حين أخفي مشاعري .. كان حضورا غريبا، وأحاطني بأمان أنشده .. نزولي من سريري العالي وتوجهي لـ المرآة البيضاء والصاق جبهتي على زجاجها ما كانت إلا محاولة للدخول إليك .. إلى عالم لن يسمح لي الواقع بدخوله يوم ـاً .. 1

أحاول مؤخرا فهم أسباب ابتعادك المفاجئ، وغيابك اللامبرر كي لا تبدو رسالتي كـ خطاب كتبته امرأة باكية .. ولا أجد ما يغفرلك ذلك، ومع هذا أرسمك أملا، وأحصر سعادتي في لقاء وجهك المستحيل ،وأغرس اسمك في سجادة الصلاة الخضراء، وأقول يا رب احفظ قلبه النابض حباً وانثر عليه سعادة لامنقطعة .. وأستسلم لواقع أني فقدتك فألجأ إلى كهف الفجر بعدما يربت صوت المؤذن على كتفي ..1

يا صديق ماذا سيحدث في العالم إذا أحببنا بصراحة، وكتبنا بـ شفافية الماء عن شعور القلب، ولهفته ؟ .. كيف نكتب عن الفجائع والراحلين براحة وسهولة في حين أعجز عن إهداء باقة ورد بيضاء مرفقة بـ بطاقة بريدية تقول ” أنت الوطن ” .. نحن الذين ندوس قلوبنا، وندعي أنّ خفقاتها المتسارعة عند اللقيا ما هي إلا صدفة يصبح الحديث عنها مجاهرة بالمعصية .. نحن الذين حين يصلنا خبر استحالة تحقق أمنياتنا ننام كـ الأجنة، ونعتزل وجوه البشر خشية انكسـار علني يُسقطنا من أعين الناس .. وما أبشع الخوف الذي يمنعنا من الحديث خشية رفض يجرحنا .. 1

أدهشتني عودتك الآن، وكل محاولاتي لـ فهمها لم توصلني لـ تفسير.. كأنك احتجت إلى ركن هادئ لـ تُرتب أفكارك ومشاعرك بعيدا عن قصصي الطفولية، وحديثي الطويل عن أحلام يعرف سوانا أنها لن تتحقق .. غادرت أنت في وقت إجهاض قلبي فرحته .. وتركتني ألتمس حضورك/وجودك/قربك ولكن لا شيء سوى الغياب المبهم .. 1

 لماذا يموت فيني أبيض الأحاسيس، وأبقى على الأرض مثقلة بالأمنيات، والأحلام، والأمل الذي أمسى سجائر أسمح لها بـ قتلي ببطء ؟؟ .. أتذكر اليوم حجم الاختناق الذي داهمني بعد اختفائك .. وبحثي عن ما يعيد سكون قلبي المفجوع حتى اهديت إلى سجادتي، ومصحفي المهجور .. حينها تكشف بعدي عن الله، وآياته فخجلت، وانكسفت روحي من سؤاله أن يشفي قلبي، فـ بقيتَ عالقا كـ سهم لم يخرجه أحد ..1

أنت الذي اكتشف سوداويتي ولخصها بـ أني لا أحترم الأحزان لذلك تبقى عالقة بي .. في مجالس العزاء أبكي مرة رغما عني ثم أتماسك دافنة كل فواجعي في زوايا الروح .. وكأني طفل كبر على أن البكاء ضعف وعيب .. أنت تعلم كم تخاف أمي من قسوة قلبي، وتدعوني إلى قراءة القرآن، وبأن أردد ” اللهم ليّن قلبي ” .. مخيف أن أملك قلبا صخريا كهذا، ومع ذلك تسللت إليه ..1

أنت تعرف أن أسئلة هائجة تضرب رأسي، ورغم ذلك أحتاج بعدك، وغيابك اليوم؛ لأني أبدأ فصلا جديدا من عمري أتوحد فيه بـ سـارة التي لا أفهمها، وأحبها .. لا تخف أصبحت امرأة بارعة في اخفاء هزائمها وخساراتها، ولا أقف عند تفاصيل حرفك رغم الحنين لحديث صادق، وضحكة تضيء أيامي.. 1

يا صديق .. قلبي المعطوب لا يشعر بك كـ السابق، وكل الجمال المحلق بين ـنا نسيته، ورب العباد يشهد أني أحمل قلبا لا يرجو غير رحمة الله، وسفر يُبعدني عن الأحبة/يهبني فرصة قراءة ذاتي ..1

وتصبح على فرح ~     1

 

” أما نحن فلا غربة لنا “

tumblr_mt4b4pepIr1qzi9p6o3_r1_500

ليس من السهل الجلوس مع الذات وتأمل حياتك كـ شخص غريب يقرأ فصولها ليكتب عنها  ..الآن وأنا في ال26 من العمر أزيح قلبي الفارغ جانبا، وأرسم سُلما كي أزيل الضباب عن مستقبلي .. حصلت على الماجستير في يوم ماطر بغزارة .. كنت بمفردي في الطريق البحري أغرق تأملا في شكل استقبالي الفرح القادم .. أوقفت السيارة، صارعت المظلة، احتضنت حاسوبي ودخلت القاعة بعباءة مبتلة ولهفة للانتهاء من كل شيء يتعلق بالبحث المرهق والدراسة الممتدة وانتظار تكرم الأساتذة بدقائق من أوقاتهم .. قدمت عرضا مختصرا، وتلقيت من ممتحنيّ ثناء أزاح عن روحي كل التعب الذي واجهته في العامين والنصف الماضيين .. وبعد اجتماع سريع بينهم دخلت لأسمع العبارة التي انتظرتها طويلا ..

لم أشعر بالرغبة في البكاء فرحا كالتي تحدثوا عنها أو الصراخ أو القفز على السلم .. كنت أرجو لحظتها العودة سريعا للمنزل وحشر جسدي في السرير، وتجاهل العالم بالغوص في كتاب .. رغم أني أرسلت رسالة نصية لأمي وأختيّ، ومكالمة سريعة مع والدي إلا أن هيئتي عند دخولي المنزل دفعت والداي لاستجوابي خوفا من أن يكون خبر نجاحي مزحة مثلما تعودت بعد كل اختبار وظيفة لا أتجاوزه .. فهمت أمي حزني حين قرأت الإهداء في رسالة الماجستير فـ لم تناقشني، ولم تحدثني، واكتفى أبي باسدال جفنه أسفا .. في أمسية انهرت فيها دون مقدمات أمام أختي قلت لها: ” سأهدي رسالتي إلى خالي” كنت أشعر بوجوده فيني، وفي الليالي الثقيلة كنت أضغط على نفسي، وأكافح النعاس والتعب والارهاق البدني والنفسي في سبيل إنجاز عمل يكون جديرا بأن أهديه له .. توفي خالي في الفصل الدراسي الأول من دراستي كانت واحدة من أصعب مراحل حياتي التي أرجو أن لا يمر بها أحد .. حصلت على الدرجة العلمية بعد أسبوعين من وفاة عمتي بالمرض ذاته .. الموت الذي نبهني إلى ضآلتي، وأكد لي أن وقوفي على أبواب الأحبة لن يمنعه من الدخول .. علمتني وفاة عمتي الكثير مثلما علمتني هي في حياتها .. تلك المرأة الصابرة التي كان السرطان يقضمها ولا تشكو أرتني الصبر ومعنى “إذا أحب الله عبدا ابتلاه” .. بعد كل الأحداث التي عشتها في العامين الماضيين أصبحت أخاف من الفرح، وأشعر أن مقابل كل فرح يدخل بيوتنا سيداهمنا الحزن .. لذلك خفتت أفراحي، وهدأت ضحكاتي .. في حديث جميل مع صديقة عزيزة قلت: “نظرتي للموت تغيرت .. ما صار يوجعني ” تبهت الحياة بعدهم لكنها لا تتوقف، تأتي الأفراح ناقصة ولكنها حلوة ونعيش لأن الدنيا هكذا والأيام  تتابع ..

أقسم ساعاتي بين وظيفة نهارية، وروايات أخبئها في حقيبتي، وأفلام تعطي عقلي بعض الراحة .. أنتقل من كتاب إلى آخر، وألاحق أحدث الأفلام، وأبني عالما جديدا صغيرا يخصني أنا فقط .. أعيش فيه كما أريد، وأشتهي .. أنشئ ملفات موسيقية في حاسوبي ترتبط بمزاجي المتقلب .. أقضي الليل في تصفح اليوتيوب بحثا عن الأصوات الجميلة، والكلمات التي تهطل كالمطر على كتفيك العاريين .. تتسارع نبضاتي كلما وجدت صوتا يشبهني فأستمع إليه مرارا حتى يتسلل إلي الملل ..

أقرأ كثيرا منذ بداية العام .. كتاب في خمسة أيام وأحيانا أقل .. أغرق في الصفحات والأغلفة وأحلق بعيدا عن هذا الواقع المشوه .. بعيدا عن مسقط التي تبدو كفتاة فاشلة في وضع مساحيق التجميل / المثقلة بالبشر .. المدينة التي أحب تشوهت ملامحها فـ كبرت في قلبي الرغبة بـ الابتعاد .. قرأت ذات مسـاء ” خلقت الغربة لمن يملك وطنا أما نحن فلا غربة لنا “وآمنت بها .. لم أجرب سفرا طويلا لكني أعرف أني قادرة على الرحيل، ورؤية وجهي في أعين الغرباء ..أنا كائن يتقن الانسحاب من حيوات من حوله .. دون تخطيط مسبق أجدني بعيدة عن الأهل/الصديقات ولا استطيع تحديد أيني .. لا أحد أشاركه التفاصيل وأحداث يومي الخفيفة والتعليقات التي أبرع فيها .. صديقتي التي ما زالت تقف عند هاتفها على أمل ردي عليها لا تدرك أن هاتفي بجواري، وأني أتامل اسمها المضيء على شاشتي لكني عاجزة عن الرد ليس كسلا ولا تكبرا وإنما لا استطيع البوح..

روحي هادئة .. يغلفها السكون .. سعيدة لأني حققت شيئا، وأطمح لتحقيق الكثير .. أفكر في تعلم أشياء جديدة، تذوق أصناف من الفواكه لم أتذوقها، الطبخ، الخياطة، الاهتمام بالكتابة، وتحسين علاقتي بالبشر .. أتمنى حضور أحد عروض الأوبرا، وأن أتفاجأ برواية جديدة بقلم عبده خال .. ما دمت أملك وقتا لكوب الشاي الأحمر وقراءة رواية والتحديق في صور تمبلر والحلم بالسفر سـ أبقى بخير ~

 الحياة أيام يا أصدقاء .. ف ـلا تنتظروا الوقت المناسب للابتسام ..

*هناك مسافة أمان لابد منها بينك وبين نفسك

Image

منذ أيام بدأ فصل جديد في حياتي البطيئة بعض الشيء، ومنذ أسابيع أفكر في الكتابة .. علّ البحر الهائج فيني يخمد، ويعود الهدوء إلى رأسي الذي توقف عن الحلم، وملاحقة الخيال، وأصبح كآلة تبدأ العمل كل يوم في الوقت ذاته، وتنتهي عند ساعة محددة ..  أنسى سـارة التي كنتها في الطريق المزدحم، وأتبع خط السيارات المصطفّة على نحو يثير قلقي، وضوء المكابح يذكرني بواقع أني بدأت العمل، وواجبة علي القيادة، ومواجهة مسقط التي تحاول الابتسام في وجوه المتعبين صباحا رغم شمسها، وشوارعها، وجنون سيارات الأجرة، وحافلات الطلاب القديمة .. أعود للمنزل منهكة، أفكر في بحثي، وتأجيلي كل ما يتعلق به في وقت حرج لا يعترف بمزاجيتي، وقصر النهار، وكسل الشتاء، وصداع يتعلق برأسي كصغيرة أختي نور حين تقرر أنك ضحيتها اليوم .. أقضي ساعة في صالة المنزل أتابع التلفاز بعباءتي، وحقيبة يدي كأني أخشى أن يفوتني أمر ما رغم معرفتي أن لا شيء مهم في العالم .. نوم متقطع، ومحاولة تبادل الحديث مع أخواتي قبل دخول غرفتي الخاوية، والغرق في رواية أجنبية لا أعلم لما أقرأها رغم معرفتي نهايتها، وما يحدث فيها.

تعلمت مؤخرا كيف أهدأ، وأركز في سارة الداخلية .. وأسألني كثيرا متى أصبحت هذه المرأة التي تنغمس في مادية مقرفة .. الأمر الذي يجبرني على الوقوف أمام المرآة ليلا، ومحاولة قراءة عينيّ ربما أفهم الذي يحدث بداخلي .. أشعر بانفصالي عني أحيانا .. وبعد منتصف الليل أمسي اثنتين، وأقضي الساعات الطوال مجبرة إياي على تجاهل تلك المجنونة التي تسكن رأسي .. هل شعرت يوما بأنك زورق يُبعده حراك الماء عن المرفأ ؟ تلك أنا، وإن أنكرت ذلك .. وحتى بعدما أتعوذ من الشيطان والوساس ثلاثا سأقول تلك أنا .. وأدعيّ أمام الأهل أني تجاوزت غباء المراهقة وسوداوية الأفكار، وكبرت امرأة طبيعية تبتسم في وجه الصباح، وتنظم وقتها، وتقرأ الصحف الجامدة، ولا تبوح بما تسمعه في رأسها ليلا .. في هذه المرحلة من حياتي حيث تبدو الأشياء متداخلة على نحو لا يمكنني تبسيطه ..  رسالتي ما زالت مدفونة في الحاسوب.. وأعرف جيدا أن أسبوع واحد .. معتكفة في غرفتي، وقليل من التركيز سأنهي ذاك البحث، وأسلمه قبل أن يبدأ مشرفي التفكير في اختفائي عن سطح الأرض .. حتى دعائي في الآونة الأخيرة تغير ما عدت أطلب من الله الكثير رغم إيماني التام، والكامل أن خزائن الأرض والسماء بيده وحده سبحانه .. كل ما أفعله، وآذان المغرب يصعد نحو السماء إلحاح بأن يحميني الله من خيبة أخرى، وفشل تخبئه الأيام القادمة .. كبرت، وما عدت قادرة على تقبل الخسارة بابتسامة، ولا أنجح في تهدئة نفسي حين أردد ستكون الأمور أفضل في المرات القادمة .. نسيت كيف أزرع عيني في الأرض حين أتحدث مع الناس.. فأحدق في أعينهم أثناء مبادلتهم الكلمات حتى أرى ما أود رؤيته، وأقرأ حكاياتهم .. قرأت ذات يوم عبارة ” العيون بيوت .. والبيوت الأسرار ” أتفق مع ذلك كليا، يكفي أن تحدق في عين أحدهم دقائق حتى ترى حزنه/فرحه، وبعض ما يخفيه .. لذلك أتخلف عن اللقاءت حين تشدني سلبيتي إلى واديها الأجدب .. حتى أعود سارة المبتسمة تلك التي تدرك أن لـ”صباح الخير” طعم سكري حين تكون سعيدة ..

تمر الأعوام، غيرتني، وأبقت بعضي فما زلت تلك التي لم يدهشها صوت فيروز، وأحزنها صوت عبدالرحمن محمد .. التي تفكر بمعرض الكتاب قبل أشهر من افتتاحه، والسعيدة جدا لأنها أصبحت موظفة، وبذلك ستدخل المعرض بجنون طفل في محل حلويات .. التي تسهر الليل بحثا عن وصفة جديدة سيتردد الجميع قبل أكلها .. المرأة التي تشتم نفسها كلما رأت إنسانا يفتش القمامة، وأم تفقد صغيرها .. هي التي تسعدها الموسيقى المسافرة إلى روحها، وترجو أن لا يكون ما تفعله معصية .. سارة التي فقدت صديقها، وما زالت تبكيه بحرقة، وهي تتأمل كل الأفراح الشاحبة بعده .. خالها الذي سيكمل عامه الثاني في بطن الأرض بعد أيام، ومع هذا تتأمل أن يرن هاتفها يوما فيطفئ صوته شوقها .. إنها التي تكتب عن قلبها، وتعاتبه، وتغضب منه، وترميه بالشتائم .. التي لم تفهم يوما حب المطر .. وتشتاق البحر .. وتقرأ الروايات .. ولا يهمها رأي بشر .. ويرهقها التفكير في كمّ الشتائم المقذوفة في مواقع التواصل الاجتماعي .. في عنصرية بعض البشر .. في الإنسان الطيب المنسيّ .. التي تتمنى توزيع سنوات عمرها .. وتمسح الحزن عن قلوب الجدات .. 

.

.

يقول إبراهيم نصر الله:

“ كلما أصبحتَ جزءاً من فكرتكَ،

قالوا إنك موشك على الجنون،

أمّا حين تصبحها فإنكَ الجنون نفسه!

كأن هناك مسافة أمان لابدَّ منها بينك وبين نفسك! ”